ابن أبي الحديد
56
شرح نهج البلاغة
قال : فعند ذلك تنابذ القوم وصارت الأحقاد ، ونادى بعضهم بعضا ، وتذامروا بينهم على من في القبائل من المسلمين الذين اتبعوا محمدا صلى الله عليه وآله . فوثبت كل قبيلة على من فيها منهم ، يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم ، ومنع الله رسوله منهم بعمه أبى طالب ، وقام في بني هاشم وبنى عبد المطلب حين رأى قريشا تصنع ما تصنع ، فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وآله ، والقيام دونه ، فاجتمعوا إليه ، وقاموا معه ، وأجابوه إلى ما دعاهم إليه من الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ما كان من أبى لهب ، فإنه لم يجتمع معهم على ذلك ، فكان أبو طالب يرسل إليه الاشعار ، ويناشده النصر ، منها القطعة التي أولها : حديث عن أبي لهب أتانا * وكانفه على ذاكم رجال ومنها القطعة التي أولها : أظننت عنى قد خذلت وغالني * منك الغوائل بعد شيب المكبر ومنها القطعة التي أولها : تستعرض الأقوام توسعهم * عذرا وما إن قلت من عذر قال محمد بن إسحاق : فلم يؤثر عن أبي لهب خير قط إلا ما يروى أن أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، لما وثب عليه قومه ليعذبوه ويفتنوه عن الاسلام هرب منهم ، فاستجار بأبي طالب ، وأم أبى طالب مخزومية ، وهي أم عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وآله فأجاره ، فمشى إليه رجال من بنى مخزوم ، وقالوا له يا أبا طالب ، هبك منعت منا ابن أخيك محمدا ، فما لك ولصاحبنا تمنعه منا قال : إنه استجار بي وهو ابن أختي ، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي ، فارتفعت أصواتهم وأصواته ، فقام أبو لهب ولم ينصر أبا طالب قبلها ولا بعدها ، فقال يا معشر قريش ، والله لقد أكثرتم على هذا